اسماعيل بن محمد القونوي
485
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
لهمزة الاستفهام تقديره أتفرقون بين أحكام اللّه تعالى وميثاقكم فتؤمنون ببعض الكتاب الخ والمتعاطفان كلاهما منكران وروى محيي السنة عن السدي أن اللّه تعالى أخذ العهد على بني إسرائيل في التورية أن لا يقتل بعضهم بعضا ولا يخرج بعضهم من ديارهم وأيما عبد أو أمة وجدتموه من بني إسرائيل فاشتروه بما قام من ثمنه واعتقوه انتهى فاتضح معنى قوله تعالى : أَ فَتُؤْمِنُونَ [ البقرة : 85 ] الآية فالعهد كان بثلاثة أشياء ترك القتل وترك الإخراج ومفاداة الأسارى فنقضوا عهدهم فقتلوا واخرجوا لكنهم فعلوا المفاداة وأوفوا العهد فيه لكنه لا يعبأ به لكفرهم . قوله : ( يعني الفداء ) أي المراد ببعض الكتاب ما دل على الفداء المذكور وهم آمنوا به وعملوا بمقتضاه وهو المراد بالإيمان هنا لا التصديق بلا عمل وصيغة المضارع هنا لحكاية الحال الماضية استحضارا لتلك الصورة البديعة حيث جمعوا الإيمان بالبعض والكفر ببعضه الآخر وهذا مما يتعجب ويستغرب منه وتقديم الإيمان مع أن متعلقه مؤخر ذكرا لشرافته في حد ذاته وعدم الاعتبار به نشأ من كفر بعضه فهو على طريق اللف والنشر الغير المرتب والمراد بالكتاب التورية ولم ينبه عليه لظهوره فاللام للعهد . قوله : ( يعني حرمة المقاتلة والإجلاء ) بترك العمل بمقتضاه حيث ارتكبوا القتل والإجلاء مع أنهم معترفون بحرمتهما عليهم فإطلاق الكفر عليه للتغليظ كما أطلق الكفر تغليظا على من لم يحج في قوله تعالى : وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ [ آل عمران : 97 ] ونظائره كثيرة وأما كون ذلك كفرا في شرعهم فبعيد جدا ويؤيده ما ذكر في الكشاف ومن أنه إذا قيل لهم كيف تقتلونهم ثم تفدونهم فيقولون أمرنا أن تفديهم وحرم علينا قتالهم ولكنا نستحيي أن نذل حلفاءنا فإنه نص فيما ذكرناه فإن إنكار ذلك مع دلالة التورية على ذلك وهم ممن آمن بها بعيد في العقول إلا أن يقال إصرارهم على القتال مع الاستحسان كفر كشد الزنار في شرعنا فإنه كفر مع أن فاعله ممن يؤمن بجميع ما جاء به النبي عليه السّلام وبهذا يجمع بين ما في الكشاف وبين كونه كفرا حقيقيا وهذا الوجه هو الموافق لما بعده من الوعيد الشديد كما لا يخفى على من له نظر سديد . قوله : ( كقتل بني قريظة وسبيهم ) كون قتل قريظة ذلا بالنسبة إلى الباقين إذ لم ينقل استئصالهم أو إلى زراريهم ونسائهم أو إلى أنفسهم بفعل مقدمات القتل إياهم فلا إشكال قوله : يعني حرمة المقاتلة والإجلاء قال بعض الأفاضل أخذ اللّه عليهم أربعة عهود ترك القتال وترك الإخراج من الديار وترك المظاهر وفداء أسراهم فأعرضوا عنها خلا الفداء وقال بعضهم غاية ما في الباب أن ذلك القتال معصية فلم سماها كفرا وقد ثبت أن المعاصي لا تكفر فنقول لعلهم اعتقدوا عدم وجوب ترك القتال مع دلالة صريح التورية على وجوبه . قوله : كقتل قريظة قتل رسول اللّه صلّى اللّه تعالى عليه وسلم بني قريظة وأعفى عن النضير والتزموا الجزية فأجلاهم عن المدينة .